أقل من جنون .. أكثر من هلوسة !

وحيداً على حواف الطاولات كما أنا في كل شيء، لكنني لم أكن ملتهباً، ووجه القهوة لم يعد يعكس سواي، وكما لا أحب طبيب الأسنان – وأنا أحتاجه – لا أحب الوحدة.

لكنها ليست الوحدة !

وليس الأمر متعلقاً بالحزن، باستطاعتي تجاوزه عندما أستدير إلى اليمين بعد إشارة المرور، متجهاً لشراء عصيري المفضل ثم أعود فأشاهد مباراة كرةِ قدم على التلفاز، وعندما يعلن الحكم بداية حياتي مرة أخرى أقوم والتقط صورةً للمبنى المجاور بالكاميرا الجديدة، أقول لصديقٍ قديمٍ: اشتقت لك ثم أقص عليه حدثاً عابراً علق بالذاكرة .. كل ذلك بجوار الموسيقى كفيل بأن يجعل مني شخصاً لا فَرِح .. بل هادئاً ورزيناً.

أنا الآن هادئ ورزين أكثر من أي وقتٍ مضى .. ولكنني أهلوس قليلاً .. لا .. أكثر من هلوسة، أتذكر ما ينتابني في لحظاتٍ تشبه الصعق الكهربائي، أو أخف وطأةٍ بقليل ..

مثلاً .. وأنا أربط مصير خيطٍ ما بإبرة أمي أشعر بأن علي أن أغرسها بسرعةٍ قصوى في قلبي، أؤمن بأنها ستقتلني رغم تفاهتها، وأؤمن بأني لن أغمض عيناي .. سألتقطها مرة أخرى وأناولها أمي هي والخيط، سأشاهد أمي تنتج قطعةِ قماشٍ صغيرة وأنا مبتسم .. سيكلفني الأمر احتمال ساعةٍ ونصف على الأقل من الألم الخفيف .. ربما كان وقتاً كافياً لتكبر قطعة القماش في يدي أمي وتصبح الكفن !

وأنا أمرُ بجوار خزان المياه اسمع خريرها وكأنها تناديني: تعال أقذف بنفسك الآن ستشعر بالهدوء الأبدي، لا شيء سوى صوت الماء الناعم الذي لا يجرح قلبك أو يداك !

وعندما كنتُ أساعد صديقتي الكولومبية وهي تعد طعام العشاء فأوكلت لي مهمة تقطيع الدجاج، كانت السكين حادة جداً وبمقبضٍ غليظ، أمسكتها للحظات بالعكس كنت أحاول لعب دور الدجاجة المذبوحة أمامي وأن أدس السكين في بطني .. وكطرقعة إصبع سأشاهد الملائكة تمسح دمي وتدعوني بأن أتبعها إلى الأعلى .. !

ليس بعد، وليس بعد !

ليس بعد ..

ما زال في الأساطيرِ حكاياتٍ لأكتشف أنني كُنتها في حيواتٍ أخرى

لأكتشف أنني كنتُ كاسيوس

من أنقذ قيصر من قسوة النهر الذي نسي أنه نهراً وكاد أن يخطفه

صديقُ قيصر الذي أعاد لشفتيه لونهما بشربة ماء في أسبانيا

ولأن الحياة لا تعطي الذكريات فرصةً للعيش،

ولأن الحياة لا تؤمن بالصداقةِ –كما أزعم-

أضحى قيصرَ إلهاً

لكن كاسيوس كان لديه من الغضب الإلهي ما يكفي لأن يقتل قيصراً ويكون إله نفسهِ

كان لديه من النبوءة ما يكفي لينتحر في وضح النهار ويكون المفاجأة

وأنا لم أكن سوى مفاجأةً لا تعلق بالذاكرة !

ليس بعد ..

ما زال في الحظ حظاً،

وفي التبغِ تبغاً ..

مازال في كأس النبيذ مزيداً من الخمر

وفي الحب مزيداً من الخيبات !

ليس بعد ..

مازال هنالك ما سأصادفه وأنا أرتب أفكاري في الطريق

طفلةً تضحك، غصناً يئن، غنجاً على صورة صبية، وغيمةً تصنع المستحيل

ما زال هنالك معنىً عليَّ أن أفككه

وأشربه مع النعناعِ عصراً .. ثم أكتبه في القصيدة !

ليس بعد ..

ما زال موتاً يبحث عني في دفتر العناوين

ونصف فرحةٍ ربما تبحث عني في دفتر العناوين

ما زال في كل شيءٍ شيئاً للتجربة .. بلا أصدقاء.

ليس بعد،

يبدو وأن الوقت قد حان لانفراط المسبحة، لأن يرحل الأصدقاء واحداً تلو الآخر، لم أعد مغرماً بالمشاهدة، هذا الفيلم طويل وعقيم جداً، أنا –وبكل تواضع- بطله الأوحد، ومخرجه الأعظم، ومهندس إضاءته الفاشل .. يبدو وأن الوقت قد حان لبدايته، رغم أني كنت أظن أن اسمي على خلفيةٍ سوداء سيبدأ قريباً في الصعود، وأن النهاية قريبة !
لا بأس سأعطي ظهري للشاشة حتى يحين الموعد، ربما تمنحني عينايَّ الموجهتان إلى الجدار الأمل .. الأمل الذي نفذ وأنا أوزعه على الأصدقاء !

( 1 )

- إننا نخسر الأصدقاء دوماً يا ولدي لأنهم ليسوا من صنعنا !

- من يصنعهم ؟! يد القدر التي تصد عن الفقراء والمشردين وعني ؟!

- إنهم صُنع الحلم ..

- تلاشى صديقاً جديداً، أو صديقين .. ثم ماذا بعد ؟!

- أغنية ترنو إليها يا ولدي، تربيها وتطعمها خبز قلبك !

- لم يعد في سلة الخبز العتيقة / قلبي شيئاً ليؤكل

الحبيبات يتقاسمن قلوب الشعراء يا أمي،

وأنا شاعرُ الأصدقاء ..

- لا تفتح لهم بابك ثانيةً ..

- يأتون هكذا .. وأنا مفتوحاً كاللام بلا تفاصيل !

الأصدقاء يا أمي وريدي الوحيد الهرِم

يأتون دون آذن لهم .. ويرحلون ..

( 2 )

أيها الأصدقاء ..

يا حماماتي

أنا مُربي الحمام الهزيل، لا برج عندي ولا سطح بيتٍ ولا علم

أنا مُربي الحمام الغبي الذي يٌربي الحمامَ ليتركه الحمامُ وحيداً ..

ينهش الوهن قامته كدود القبر.

أيها الأصدقاء ..

يا حماماتي

انطلقن .. لا تلتفتن وتلقين نظرةً لتعدن

.. لن تعدن !

ففي الريح ما يكفى من شظايا للتفادي

والشظايا لا تتبع الخفة إن تفادتها

لا تتبع سوى الثابتين

وأنا ثابتٌ كالهم

كعينا عاشقٍ معلقتانِ في البحر

كاحمرار خد الحسناوات

ثابتٌ أنا يا أصدقاء

..

عن الولد الجالس على مقاعد الانتظار أمام البوابة رقم 64

يحدثُ أن تكون فارغاً تماماً، تكتشف فجأةً أن الشيء الوحيد الذي كان يملؤكَ “قلبكَ” قد أهملته في حقيبة السفر، بجوار الحذاء الاحتياطي تماماً، حينها تكون المطارات مؤلمة، لها رائحة أشد وطأةً من رائحة الأطباء ومعقم المستشفات. يحدث أن تكون تائهاً ومنهكاً ومثقلاً بالانتظار، تتبع المسافرين الذين لا يلتفتون إلى الخلف أبداً، تلاحقهم تحت أضواء الممرات الرخامية، وعلى السلالم الكهربائية، تدخل خلفهم المطاعم وغرف التدخين، ودورات المياه، تخطو على خطواتهم كثيراً، ويحدث أن تكتشف قبل أن تغفو على أحد مقاعد الانتظار أنك كنت تلاحق قلبك، تلاحقه مرة أخرى بحقيبتك المحمولة على الكتف كهم، حقيبتك التي تحوي كتاباً، حذاءاً، و.. قلب.

مطار هونج كونج،

وحيد وحزين ومنكسر !

إلى المجهول .. أو اللا أحد:

” أشعر بقلبي وهو ينبض، شيئ يبعث على الغثيان، قلت لصديق تخيل أنك تمسك بفأر في قبضتك، حركاته الصغيرة المنتفضة وهو يحتك براحة اليد محاولاً الهرب ثم أنت تحكم أصابعك حوله ولكن باشمئزاز “* دلال جازي.

وحيد وحزين ومنكسر، أحتاج إلي يدٍ تضع يدها على هذا الفأر وتربت، ربما تحدث المعجزة فيتحول إلى شيء آخر. حزين ومنكسر ووحيد، ولدي رغبة حقيقية ببتر يدي لأن لا أحد ممن ربتت على فئرانهم هنا ليقل: معليش كلو حيصير تمام. منكسر ووحيد وحزين، ومشمئز من قلبي/الفأر كما تصف دلال، لو تعلمين لأي حدٍ كتبتني يا دلال. وحيد ومنكسر وحزين، ولم تعد خطوتي تقدر على الخطوة، على هم السنين كما يقول طلال، لو تعلم لأي حد يقشعر بدني حين اسمعك تقولها يا طلال. حزين ووحيد ومنكسر، حتى في الحزن يكون التشابه للرمال وأنا للأزرق كما كتب درويش، لو تعلم لأي حدٍ ابتلعني هذا الأزرق يا درويش. منكسر وحزين ووحيد، وأتذكر حين خدعني أحدهم وأنا طفل وقال: اكتب حرفاً تردم جرحاً، الكتابة تعمق الجراح أكثر يا أستاذ، اكتب حرفاً يداعب جرحك وينكأه ويضاعف الوجع عشر مرات .. حتى الكتابة تملك قدرة الخذلان ذاتها يا محمد، لست أنا فقط.

يا رب جدة !

نقلاً عن: http://alorwa.tumblr.com

هوا في غني مش حرامي !
* أحمد فؤاد نجم

هكذا .. !

الأمر برمته كان ارتجالياًَ .. لم أكن أعرف أنني سأقضم أظافري عندما ترحلين، أو أن شركة مارلبورو ستنتعش وتزيد أرباحها عندما ترحلين، لم أكن أعلم أن مصباح غرفتي الصغير سيحترق لأنني سأطفئه وأنيره ألف مرة عندما ترحلين، لم أكن أعرف أنني سأقذف منفضة السجائر على مرآة الحمام فتُكسرا، أو أنني سأعشق الموسيقى الحزينة، سأكون وحيداً أكثر عندما ترحلين .. إن الأمر أتى هكذا .. يشبه كثيراً موت أبي أو إصابة جدتي بالسرطان، أمور تأتي فقط .. بلا تحضير !

!

8

الأجواء المحيطة مساعدة تماماً .. تشبه ثورا ينطح الهواء .. باحثا عن اللاشيء !

فالشمس تعانده وتمارس الظهور .. ككل شيء في هذه الحياة .. يقف بكل ما أوتي من قوة صامداً في وجه هذا الولد .. أقوى من أي شيء هي تلك الحياة، وأضعف من أي شيءٍ هو ذلك الولد !

الولد المنهك .. يمز شفتيه مغتصباً لفافة التبغ الحزينة .. عسى أن تلد يوماً واحداً، أمنية واحدة .. يصفن الولد مفكراً، وكأنما يحاول القبض على فكرة ما .. كل الأفكار وهمية الوجود، كل الأفكار تولد في العدم، تعيش وتموت في العدم !

لا شيء حقيقي سوء هذا الولد !

وش نقول لامين حكى فينا العذول !

العام الأول .. غالباً ما يكون لعنة .. !

1111

الصفحة التالية »


ما تحكيه الأرقام :

  • 12,142 ضالاً وضالة حتى الآن

ما يمكن :

هنا .. الآن: